السيناريو الهندي
نُشر المقال في فيسبوك بتاريخ 2 ديسمبر 2016
نجاح العصيان المدني وتخبط الحكومة
بعد إفاقة الحكومة على نجاح كبير وتفاعل هائل للعصيان المدني، أولاً قالت الحكومة بفشل العصيان المدني. طبعاً لن نتناقش معها في ذلك، فالحكومة وخاصة البشير يكذب منذ 30 سنة، فما الذي يجعل الشعب يصدق البشير الحين؟ وكذب الحكومة يعيشه المواطن السوداني واقعاً يومياً في التدهور الاقتصادي وتردي الخدمات والصحة والتعليم.
فزاعة السيناريوهات الإقليمية
صدرت دعوات تحذر من انجرار السودانيين للمظاهرات خوفاً من أن يحدث السيناريو السوري. أولاً، النظام السوري وحده لم يستطع إيقاف انتفاضة الشعب وكاد أن يسقط لولا التدخل الإيراني والروسي. السؤال: هل ستتدخل روسيا وإيران لإنقاذ الطاغية البشير كما فعلت ببشار؟ الإجابة يعلمها النظام؛ النظام حالياً يسعى لمليارات الدولارات ولم يجد دولة تساعده، ناهيك عن أن تبذل جنودها وطائراتها لمساعدته، بل تداولت أخبار كثيرة بنصائح للبشير بتسليم السلطة.
لقد حاز العصيان على اهتمام كبير على المستوى المحلي والدولي، وحاز على تغطية إعلامية كبيرة وجيدة. والمهم في الموضوع السوري: هل يجاور السودان إسرائيل وله حلفاء يخشون من الحاكم والجار الجديد الذي يخشى من أن يقض مضاجع الكيان الصهيوني بمطالباته بالحقوق السورية كهضبة الجولان أولاً، ثم الحقوق العربية والفلسطينية والإسلامية في القدس وفلسطين؟
السيناريو الليبي وحركات التمرد
يقول النظام: احذروا من السيناريو الليبي. ماذا حدث في ليبيا؟ استخدم القذافي الطائرات لقمع الانتفاضة، فتدخل الغرب ونجحت الثورة وقتل الطاغية القذافي (لو حدث السيناريو الليبي البشير سيشد حيله). ثم بعد نجاح الثورة تدخلت جهات لدعم مليشيات، وحاولت مليشيات شاركت في الانتفاضة فرض رؤيتها عسكرياً، وحدث صدام، وتقسمت السلطة بين الحكومة المعترف بها من جهة، وحفتر ومعه مليشيات بدعم جهات إقليمية وبعض الدول الغربية في جهة أخرى، وتنظيم الدولة الذي يسيطر على مدينة أو اثنتين محاولاً أن يجد موطئ قدم في ليبيا. للعلم إلى الآن -كما سمعت- الوضع الاقتصادي في ليبيا أحسن من السودان.
ثم يتحدث النظام عن سيطرة المليشيات والحركات المتمردة.. من أوجدها؟ أليست السياسات الخرقاء للنظام التي كان يرفعها “العايز حقو يرفع السلاح” ويتمرد، مع قمعه لكل محاولات التعبير السياسي السلمي خارج إطار المؤتمر الوطني؟ أليست اتفاقية السلام الفاشلة هي التي أشعلت النيل الأزرق وجنوب كردفان ونقلت الحرب من مناطق قريبة لنمولي (آخر مدينة في جنوب السودان) لتشتعل في مناطق قريبة من وسط السودان؟ ومعلوم أن اتفاقية السلام والسياسة الخرقاء للبشير هي من أشعلت دارفور التي قسمت ظهر السودان، واستيقظ سكان الخرطوم على مليشيات والحركات المسلحة داخل الخرطوم (حركة مني أركوي في المهندسين، إضافة لدخول حركة العدل والمساواة بقيادة خليل للخرطوم).
السيناريوهات الغائبة
ولماذا لا يحدث السيناريو التونسي بفرار البشير كبن علي، لعله يجد دولاً تقبل بإيوائه ولا تسلمه كمجرم حرب لمحكمة الجنايات؟ أو السيناريو المصري بسقوط البشير ومحاكمته داخل الخرطوم؟ لا تذكر الحكومة هذه السيناريوهات.
حقيقة “السيناريو الهندي”
ما تريده الحكومة هو السيناريو الهندي؛ حيث تقوم هي بدور الخائن، وتعذب الشعب، وتطلب من الشعب ثلاثين سنة أخرى تقيم بها التجربة الفاشلة، لعلها تهتدي لوسيلة أقل عذاباً أو لا تكون مؤلمة جداً. يستمتع القادة من الحكومة بأموال الشعب السوداني وثرواته، ويدعون الشعب للصبر خوف السيناريو الليبي أو السوري.
“المشكلة أن الشعب يعلم الآن أنه يمكن أن يموت من نقص الدواء، أو ضنك العيش، أو ربما تصيبه سكتة قلبية أو دماغية من تصريحات مسؤولي الحكومة.”
الخلاصة: نحو وطن راشد
العصيان يبين اتفاقاً كبيراً على ضرورة تنحي البشير، والمجيء بحكومة انتقالية خالية من المفسدين والحرامية والذين لا يفهمون شيئاً، وبمؤسسات خالية ممن ذكروا أعلاه، إضافة لآلية واضحة وشفافة لتداول السلطة والحكم تجنب السودان الصراعات المسلحة. يتبقى فقط تصعيد الضغط على الحكومة باعتبارها أكبر عقبات وصول السودان للحكم الراشد والاستقرار والرفاهية.
وبإذن الله الشعب السوداني قادر بتوفيق الله وعونه على صياغة سيناريو جديد لوطن راشد يضم بنيه ولا يقتلهم أو يهجرهم، وطن فاعل على المستوى الإقليمي والدولي.
“وليعلم قادة الإنقاذ أن النهاية في السيناريو الهندي غالباً هي إفاقة البطل بعد العذاب، وقيامه ونهوضه مما حل به من النكال، ليلحق بالخائن هزيمة نكراء وينكل به نكالاً شديداً، وينعم البطل بالحياة الرغيدة.”
فعلى قادة الإنقاذ -بإذن الله- أن يستعدوا للنكال والهزيمة المخزية والذهاب لمزبلة التاريخ، أو أن يفكر العقلاء منهم بالانحياز لخيار الشعب بتغيير جذري كلي وتسليم السلطة والمفسدين وأموال الشعب المنهوبة لحكومة تتولى قيادة السودان لمستقبل مشرق.