الدكتور - roaladam.com

الدكتور

Spread the love

الدكتور

الطب وضريبة «البرستيج»

أن تصبح طبيبًا في السودان أمرٌ يحمل «برستيجًا» ومكانة اجتماعية مقدرة؛ لذلك تعتبر كليات الطب من أعلى الكليات قبولاً. وقديمًا – وأظنه حديثًا – لِتَدْرُسَ الطب حتى في الولايات النائية يجب أن تحصل على معدل في الثانوية يفوق التسعين في المئة، وهو معدل تحصل عليه فئة قليلة جدًا من الطلاب، ويتطلب الحصول عليه في الغالب كدًّا وسهرًا ونذرَ نفسك كاملاً للدراسة والاعتزال عن أي نوع آخر من الحياة الاجتماعية.

ودراسة الطب كما عهدتها سابقًا (لم أدرس الطب، ولكن كنت أزور كلية الطب بجامعة الخرطوم أيام دراستي في كلية العلوم الرياضية والحاسوب)، وكنت أيام الامتحانات أذاكر في قاعاتهم المجهزة والمفتوحة حتى الصباح، وأظن أن هذه القاعات هذا حالها طوال السنة، أي 24/7 أيام في الأسبوع؛ حيث تشاهد طلبة الطب يدرسون ويذاكرون المراجع والكتب العِظام، والعِظام هنا بالمعنى الحرفي، فمراجعهم كبيرة جدًا جدًا جدًا. لذلك قلة من الطلاب – على ما أحسب – ينخرطون بصورة كبيرة في أي أنشطة وفعاليات طلابية أخرى، ورغم ذلك فلهم تأثير كبير جدًا في السياسة وهو دليل نبوغ.

وهذا حالهم أيضًا بعد التخرج؛ فقد حكى لي صديق قضى سنوات كثيرة عالقًا في كلية الطب أنه – على ما ذكره، أو ربما صديق آخر إن خانتني الذاكرة – بعدما تزوج دكتورة مثله، وكان يعمل بدوام ليلي وهي تعمل بدوام صباحي في المستشفى، ولا يلتقيان إلا يومًا واحدًا في الأسبوع، نصحه الجيران (ربما رأفة به) قائلين: «إنتو ما محتاجين تأجروا بيت كامل، ممكن تتلاقوا كل أسبوع في فندق!». والقصص عن الثمن الذي يدفعه من يدرسون الطب عزلةً عن الحياة شائعة كما أظن. وأظن العائد الوحيد في الغالب هو كلمة «أهلاً بالدكتور»، فالعائد المادي من دراسة الطب زهيد جدًا في السودان.

لو اتجه النابغون إلى «طب المجتمع»

وأزعم – وأنا من الداعمين بشدة لعدم دراسة النابغين للطب – أن جزءًا من الجهد المبذول في دراسته لو بذله النابغة في أي تخصص آخر لجنى المال الوفير، واستعاض بلقب «مرحبًا يا جلابي» بدلاً من «يا دكتور»، وهو لقب له شنة ورنة في مجتمعنا السوداني. أما لو بذل كل الجهد الطبي ودرس غيره، أو بذل أكثر من غيره، فربما حظينا بـ «رواد تقنية وعمالقة ابتكار» سودانيين، أو بجمع غفير منهم.

أما لو درس هؤلاء المتفوقون الاقتصاد والإدارة والسياسة والإعلام والدين والفلسفة والتربية، لأسهموا مساهمة مقدرة لصلاح حال بلدنا ولربما صرنا من الدول التي يشار إليها بالبنان. فهذه التخصصات هي «طب المجتمع»، تصلح أمراض جمع غفير من المواطنين، وبالتالي ينصلح حال البلاد بإذن الله وتوفيقه.

والذي يدعم زعمي هذا: انظر للمتصدرين للسياسة في بلدنا تجد جمعًا منهم درسوا الطب ثم فاقوا سياسيًا الداخلين للسياسة من تخصصات أخرى، مثل خليل إبراهيم وعلي الحاج وغيرهما من خريجي كلية الطب بجامعتي الجزيرة والخرطوم.

الأصنام الاجتماعية وأثرها على الأجيال

ولكن أظنها لعنة اجتماعية سودانية؛ فمعروف عنا المبالاة الشديدة برأي المجتمع ونظرة الناس حتى وإن خالفت الصواب والحق، ودونك المثل السوداني: «موت الجماعة عرس».

ولذلك لا يتربع الطب عرش التخصصات المقصودة من قبل المتفوقين عن رغبة؛ فأنا لا أعارض من يدرس الطب عن رغبة، لكن هل هي رغبة حقيقية أم نظرة مجتمعية نشأت مما يفعله آباؤنا وأمهاتنا ويزرعونه فينا؟ فتكون هي فقط «برستيجًا» اجتماعيًا ومظاهر خادعة، وقد حذرنا القرآن من ذلك فقال سبحانه: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 21-22].

فهذه الأصنام الاجتماعية – إن صح تشبيه دراسة الطب بها – هي سبب للشقاء في الدنيا قبل الآخرة.

وهذا البرستيج الاجتماعي لدراسة الطب قوي جدًا ومتجذر في العقلية والنفسية السودانية؛ فلديّ قريب كل أولاده درسوا الطب، وحاولت جاهدًا إثناء ابنته المتفوقة حديثًا عن التقديم لدراسة الطب ودراسة الرياضيات وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، فهي لغات العالم حاليًا وفي المستقبل. ولكن لا جدوى من حديثي وحججي، ولا ألومها.

دكتوراه الخراب والعلوم «اللا إنسانية»

فها هو البرهان، قائد الجيش السوداني، كما تداولت الوسائط الاجتماعية، يقطع الفيافي ليس طلبًا للعلم؛ فلا أظن شهادة سعادته الثانوية ولا شطارته ستمكنانه من دراسة الطب في روسيا. ذهب إلى هناك ورهن موانئ السودان لمدة 25 عامًا وعاد بلقب «الدكتور البرهان» بعد حصوله على الدكتوراه الفخرية من الجامعة الحكومية الروسية للعلوم الإنسانية!

وأي علوم إنسانية هذه درسها البرهان وعلم بوجودها وهو ينقلب على اتفاقية وقعها وعلى حكومة كان من المفترض أن ترسي السودان لبر الأمان وتخلصه من إرث «بشة» وكيزانه الدموي والتخريبي؟ ثم قُتِل أمام قيادته واُغْتُصِب مئات الشباب والشابات السودانيين ورُمِي بجثثهم في البحر، ثم عندما اختلف مع حبيبه السابق وعدوه الحالي، أحرقوا البلاد وشردوا العباد وقتلوهم شر قتلة!
(انقر هنا لقراءة مقال جوز اللوز والدوس)

أنا شخصيًا أمنحه دكتوراه في القتل والخراب.

أرانا الله فيه شدة بطشه وجبروته في «الدكتور» برهان، وخريج «سادس ابتدائي» حميدتي، وكل من عاونهم في قتل العباد وضياع البلاد.

نعم، الآن يمكن لحكومة بورتسودان أن تفخر على حكومة الفاشر بأن على رأسها «الدكتور» برهان!

سنن الله في الظالمين

وسؤال مناقشة مني لصاحب الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية: هل اطلع في العلوم الإسلامية والقرآن على سنن الله في الظالمين؟ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: 12]، والحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (رواه البخاري ومسلم).

وهل تفكّر وتأمّل في عاقبة حاكم درس طب الأسنان وكان يُلَقَّب بالدكتور عن شهادة لا فخرية، ودعمته روسيا بعتادها وطائراتها وجنودها ولها قاعدة عسكرية هناك تعتبر استراتيجية، وتغافل الغرب عن جرائمه ضد شعبه لأنه يجاور جارة هي الطفل المدلل لأمريكا والحكومات الغربية ومن مصلحتها بقاؤه على جثث الوطن والمواطنين؟ هل يعلم عاقبته؟ أم تفكّر في رئيس سبق أتى به الترابي حاكمًا عسكريًا وقد اعترف بشاعة الوسيلة والنتيجة فاستبد وأهلك الحرث والنسل، وعندما ضاقت عليه استنجد بروسيا التي كان يتوعدها هبالة وطيشًا بالعذاب فلم تُغْنِ عنه من دون الله شيئًا: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 52]؟

وكما تقول جدتي – رحمها الله -: «القلم ما بزيل بلم»، ويقول السودانيون: «الشقي بشوف في نفسه».

نسأل الله أن يعيننا على تغيير ما بأنفسنا، وذلك بتغيير الأفكار والنفوس والسلوك ليغير ما بنا، وأن يهلك من أشقوا العباد والبلاد؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

رؤل آدم علي محمد

كاتب ومدون سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *